[ad_1]
في قلب المشهد السياسي والأمني المغربي، برز مؤخراً كيان غامض أُطلق عليه اسم “جبروت”. هذا الكيان، التابع لأخطبوط الإعلام الفرنسي جريدة لوموند المعروفة بعدائها القديم للمغرب وتبعيتها للبترودولار الجزائري، لا يقتصر دوره على كونه منصة رقمية وصحيفة عالمية لنقل الأخبار وتحليلها، بل يمثل أداة استراتيجية معقدة تجاوزت النشر وأصبحت دولة داخل الدولة الفرنسية، بمباركة بعض الأجهزة الجزائرية، تسعى للتحكم في مفاصل الدولة المغربية على أمل إدارة شؤونها حسب أهوائها، محاولة استغلال الثغرات السياسية والإدارية والرقمية، ونسج الأكاذيب التي اعتادت الأجهزة المغربية في كل مرة على كشفها.
ومن هنا يطرح السؤال: من هي “جبروت” وما علاقتها بـ لوموند؟ إنه الأخطبوط الإعلامي الذي يمهد الطريق.
بعد بروز التحقيق الأخير من ست حلقات لصحيفة لوموند الفرنسية عن جلالة الملك محمد السادس ونظام الأمن المغربي، ومع ظهور “جبروت” خلال ربيع هذه السنة، تأكدت الشكوك التي سبق أن أبديتها لبعض المتابعين حول العلاقة الوطيدة بين هذه المنصة والصحيفة الفرنسية.
صحيفة لوموند التي تحاول أن تلعب دور الصحافة الاستقصائية، تحولت بعد عداوتها للمغرب إلى أداة هجومية تصنع الحدث أكثر مما تحلله، وهنا ستفهم، عزيزي القارئ، أن لهذه المجموعة علاقة مباشرة بالثلاثي: هشام جيراندو، المهدي الحيجاوي، علي المرابط وآخرين، وتدير “جبروت” من الخفاء.
لوموند، من خلال نشرها للمعلومات والتحليلات، لم تكتف فقط بالتغطية الصحفية، بل أصبحت أداة تمارس أدواراً استخباراتية استفزازية واسترزاقية حسب البلد المستهدف. وهنا أؤكد أنني لا أهاجم الصحافة ككل، فالصحافة الحرة والنزيهة باقية في العالم، ولا أهاجم صحيفة لمجرد مقال لا يُسمن ولا يغني من جوع، ولا يمكن أن يزعزع شبراً من ثقة المغاربة في ملكهم وولي عهده والمؤسسة الملكية. لكن لوموند تجاوزت حدود المهنة، فأصبحت تشيطن وتحرض وتستعمل بعض الأدوات للسيطرة، حيث إن غالبية من يحرضون ضد الأجهزة الأمنية المغربية والنظام الملكي، يكفي أن تُكتب أسماؤهم على غوغل مقرونة بجريدة لوموند لتجد ارتباطاً وثيقاً عبر مقالات متنوعة، فهي تكوّن الشخصية وتزيد أوزانها الإعلامية عبر مقالات متعددة.
ولا أخفيكم سراً: منذ بداية مجموعة “جبروت”، أعلمت أصدقاء عديدين أن الأمر لا يتعلق بتسريب ضخم عشوائي، بل بأسلوب مدروس يوظف خبرات استخباراتية عالية. طريقة النشر عبر مجموعة في تيليغرام لم تكن صدفة. فهذا التطبيق، رغم استعماله الواسع من طرف المافيات ومجموعات القرصنة العالمية، ظل محفوفاً بالمخاطر، إذ إن حتى المافيات الروسية والأمريكية تتخوف من الاعتماد عليه وتفضل الدارك ويب، لأنه قد يقدم بيانات تحت الطاولة في مفاوضات مع دول. لكن “جبروت” اختارت تيليغرام لعلمها أن مؤسسه، الذي مرّ من فرنسا والإمارات، لن يتعاون مع المغرب، نظراً لعلاقاته القوية بمحسوبين إماراتيين وفرنسيين.
ستجد بعد البحث المتعمق أن عبر جريدة لوموند ظهر اسم المهدي الحيجاوي أكثر من مرة، الذي يقدم نفسه كـ “كولونيل ماجور سابق” في المخابرات المغربية، وهو في الواقع على صلة بلوبي فرنسو-إماراتي يسعى لإضعاف المخابرات المغربية لصالحه. استُعمل الحيجاوي كواجهة لإيصال رسائل معينة، بعد أن ضاق صبر بعض الأطراف من الحديث عن دور المخابرات المغربية في تدريب عناصرها، فاختارت هذه الفئة أن ترد “جميلها” عبر محاولات لتخريب الأجهزة المغربية لإعادة التمركز داخلها.
واختيار “جبروت” لتيليغرام لم يكن عبثياً، فقد أرادت جمع جمهور خاص من الصحفيين والمتابعين الفضوليين، وتركهم في حالة ترقب دائم لما تسميه “التقطيرات”، بدءاً بتسريب بيانات الضمان الاجتماعي للصحفيين، وهو ما كان بمثابة الطُعم. فالصحفي حين يقارن بياناته ويجدها صحيحة، يطمئن ويمنح “جبروت” الثقة، لتفتح لها الطريق نحو تسريبات أخطر لاحقاً. وهذا يشبه حصان طروادة الذي يدخل القلعة متخفياً ليخدع سكانها ويغزوهم.
وخلال نفس التسريب، تم إدراج أسماء مستشاري الملك لإقناع المتابعين بأن الهدف من نشر الوثائق فضح الفساد وإماطة اللثام عن سبب نشر وثائق المؤسسات الصحفية، عبر تغليفها ببيانات مستشار ملكي لبناء الثقة تدريجياً، وتغليف الهدف الأصلي.
أما عن مصدر الاختراق، فبصفتي مهندساً في أنظمة البيانات، أؤكد أن السيناريو الأقرب هو اختراق من الداخل، عبر ثلاث احتمالات لا رابع لها:
توطين شركات فرنسية بالمغرب بتمويل جزائري، واستغلالها بعد أن كسبت ثقة المؤسسات المغربية، وهذا يجب على الأجهزة الوطنية مراجعته وتشديد الرقابة عليه.
الاعتماد على شركات رقمية فرنسية تقدم خدمات استضافة وتخزين بيانات لمغاربة، وهذا يتطلب تحديد شروط محددة في العقود.
بيع أنظمة معلوماتية مدمجة بفيروسات موجهة للمغرب قصد اختراقها.
وكل هذه الاحتمالات مرتبطة بتمويل جزائري ضخم وتحريك لوبي متغلغل مع صحيفة لوموند.
كل ما سبق يؤكد أن “جبروت” لم يظهر صدفة، بل جاء بخطة محكمة من لوموند وبتمويل مباشر من الغاز والبترول الجزائري، وبإشراف شبكة تضم أسماء مثل: المهدي الحيجاوي، هشام جيراندو، علي المرابط وغيرهم. كل شخصية لعبت دوراً محدداً: التشويش، الترويج، التبني الإعلامي، أو إثارة الانتباه، وبُنيت الشبكة وتم التخطيط لها لسنوات.
المهدي الحيجاوي، الشخصية التي يتم الترويج لها ككولونيل ماجور سابق في جهاز لادجيد، اختار تأليف كتاب بعد انشقاقه عن المخابرات المغربية، لكن يبدو أن الحيجاوي عبر تأليف الكتاب غير قادر على الحديث بنفسه، وهو الذي كان موظفاً عادياً بجهاز استخباراتي. وعندما أراد التفاوض مع لوموند وأطراف أخرى، اكتشفوا أن شخصيته غير قادرة على المواجهة، فتم محاولة رسمه كشخصية بارزة في المخابرات يملك أطناناً من المعلومات، وتأليف كتاب له بمعلمات منمقة تخدم أجندة لوموند في مخططها، حيث تطلب لوموند من متعاونيها الابتعاد عن العاصمة باريس لكي لا يتضح دورها في المخطط عبر استعمال لوبيها الخاص لحمايتهم من أي تعاون مغربي فرنسي.
جيراندو لم يكن يوماً صحفياً استقصائياً، بل مجرد بوق يستعمل صوراً مفبركة أو ملفات سطحية ليهاجم شخصيات مغربية، منتجاً ستة فيديوهات يومياً لإغراق الرأي العام، عبر تكوين سري وخاص خضع له حيث يجر الجميع ويجره نحو مواضيع عبثية. ويحاول شخصنة المواضيع في سياق التحدي، وهذا ما يريده ممولوه عبر توجيه الكاميرات له كأنه عنصر بارز يتحدى النظام، لكن من يرد التحدي يتحدث بالدلائل والوثائق. وكم من شخصية حُطمت عبر تداول معلومات سطحية كانت قد أُرسلت له، ليُعاد تصحيحها لاحقاً، لكنها ألحقت أضراراً كبيرة.
أما علي المرابط، فهو الحلقة التي تصل لوموند بهؤلاء وتمنحهم الشرعية الدولية عبر مقالات صحفية منمقة تحاول رسم خريطة المغرب الجديد على أهواء أجهزة خارجية.
وبعد أشهر من التسريبات الصغيرة التي بدأت ببيانات الضمان الاجتماعي، ارتكبت “جبروت” خطأ قاتلاً: تسريبات متلاحقة طالت وزير العدل عبد اللطيف وهبي، وزيرة الإسكان فاطمة الزهراء المنصوري، ثم رأس الاستخبارات عبد اللطيف الحموشي، رئيس الدرك الملكي حرمو، وأخيراً جلالة الملك وولي العهد. هذه السرعة أحرقت كل أوراق اللعبة، وكشفت أن الجهة الممولة الجزائرية كانت تضغط بسبب أزمتها الداخلية، خصوصاً مع اختفاء الرئيس تبون وتنامي الغضب الشعبي. فكيف يفسر أن من يملك أربع تيرابايت من البيانات يقوم بتقطير ملف PDF في الشهر بقيمة لا تتجاوز 0.00012٪ مما يتوفر عليه، وإذا بقيت “جبروت” على حالها، فستستغرق 69 ألف سنة لنشر كل وثائقها التي تريد أن توهم القارئ أنها تتوفر عليها.
ومن هنا ظهر الخيط الناظم: “جبروت” ليست سوى ذراع من أذرع أخطبوط لوموند، تُستخدم للتهويل والتحليل وتشتيت الرأي العام المغربي بهدف زعزعة الثقة في مؤسساته وأمنه وملكه.
لكن الحقيقة أن المغرب أكبر من هذه المحاولات. كل هذه الضربات لم تؤد إلا إلى كشف هشاشة مشروع “جبروت”.
صحيح أن جبروت جاءت نتيجة أخطاء مغربية في نظم حماية البيانات وتهميش شركات مغربية في الرقمنة. وهنا يجب التأكيد على أن السيادة الوطنية تبدأ من السيادة الرقمية: الاعتماد على شركات مغربية في إدارة البيانات والمشاريع الرقمية، وتحصين الأطر الوطنية ببروتوكولات خاصة للحماية.
وعند كتابة هذا المقال، وصلني إشعار عن منشور حديث لـ “جبروت” تعلن فيه توقُّفها نهاية الشهر. يمكن تحليل توقف “جبروت” بهذه الطريقة:
يعكس القرار أن ألعابها الإعلامية والاستخباراتية بدأت تُكشف. رغم ادعائها امتلاك “4 تيرابيت” من البيانات وقدرتها على التحرك في الظلام، فقدت مجموعتها الثقة والمصداقية أمام جمهورها وحتى خصومها. محاولتها تصوير نفسها كـ”عائم في الظلام” لم تعد مقنعة، فالسرعة التي تحركت بها مسبقًا، والتي كنت أشرت إليها قبل وصول أي إشعار، كانت كفيلة بأن تُظهر نقاط ضعفها وتفضح أساليبها.
باختصار، التوقف مؤشر على انكشاف لعبتها وفشلها في الحفاظ على الهيبة المزعومة، وليس مجرد فترة راحة أو إعادة ترتيب أولويات. وخصوصاً بعد كشف أمرها وربطها مع جريدة لوموند التي أبلغتها أنها ستتخلى عنها وستتوقف عن مدها بالمعلومات. توقف “جبروت” لم يصدم المتابعين الذين فطنوا أنها أداة استخباراتية فحسب، بل كشف أيضاً وصدم المشككين الذين وضعوا آمالاً كبرى فيها وقدّموا لها كل أنواع التمجيد والتهويل والتقديس.
اليوم، أداة من أدوات جريدة لوموند ستتوقف ولو مؤقتاً، لكن للأخطبوط أدوات عديدة وأذرع متعددة، منها ما كشف ومنها ما ستكشفها الأيام. والأكيد أن الحل لا يأتي من لوبي فرنسي يحن إلى زمن الاستعمار، بل يأتي من حلول واقعية وطنية.
بينما يحاول المغرب حماية سيادته الرقمية والإدارية، يبقى “جبروت” مجرد ذراع للأخطبوط عاجز عن زعزعة الثقة بين الملك وشعبه. ومع ذلك، فهو يمثل تحدياً حقيقياً للسيادة الوطنية، يتطلب استراتيجيات دقيقة ورؤية استباقية، لحماية البيانات والمعلومات من عبث المتربصين، وتعزيز القدرة على القطع مع الفساد وحماية المؤسسات الوطنية من الاختراقات الخارجية.
[ad_2]
المغربي almaghribi – أخبار المغرب : المصدر

