[ad_1]
منذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس عرش المملكة، يشهد المغرب دينامية متواصلة في مجال التنمية المجالية، عبر أوراش كبرى ومبادرات محلية. ومع دستور 2011 الذي كرس الجهوية المتقدمة، أضحى التنسيق بين مختلف الفاعلين الترابيين ضرورة لتحقيق العدالة المجالية وضمان تنمية متوازنة.
في هذا السياق، يبرز نوعان من البرامج: برنامج التنمية المندمج للعمالات والأقاليم (PDI) و برنامج تنمية العمالة أو الإقليم (PDA). ورغم تشابه الأسماء، إلا أن الاختلاف بينهما جوهري على مستوى الأهداف، التمويل، والإشراف.
برنامج التنمية المندمج (PDI)
يُعتبر الـPDI أداة استراتيجية يقودها الوالي أو العامل تحت إشراف وزارة الداخلية، ويقوم على مقاربة تشاركية تضم الدولة، المجالس الترابية، المؤسسات العمومية، القطاع الخاص والمجتمع المدني. الهدف منه إحداث نقلة نوعية في التنمية، تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتحسين جاذبية الاستثمار.
تمويله متنوع، يمتد من مساهمات الدولة والجهات إلى الشراكات مع القطاع الخاص، ما يمنحه قوة مالية أكبر لتنفيذ مشاريع مهيكلة على مدى متوسط أو طويل (5 – 7 سنوات).
الجديد وفق مراسلة وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت للولاة والعمال، هو توجيه هذه البرامج لتصبح أكثر محلية، مع تركيز خاص على التشغيل، الخدمات الاجتماعية، الماء والتأهيل الترابي، العالم القروي.
برنامج تنمية العمالة أو الإقليم (PDA)
في المقابل، يظل برنامج التنمية الخاص بالعمالات والأقاليم اختصاصاً حصرياً للمجالس المنتخبة بموجب القانون التنظيمي 113.14. يشرف عليه رئيس المجلس المنتخب، ويهدف إلى وضع رؤية تنموية محلية لست سنوات، تترجم أولويات الساكنة في حدود اختصاصات المجلس، مثل النقل المدرسي، التعليم الأولي، وبعض المشاريع الاجتماعية والرياضية.
تمويل هذا البرنامج يعتمد أساساً على ميزانية المجلس وتحويلات الدولة وصندوق التضامن بين الجماعات وموارد أخرى.
برامج أخرى قائمة
إلى جانب هذين البرنامجين، لا تزال هناك أدوات قانونية أخرى بيد المنتخبين:
برنامج عمل الجماعة (PAC): تضعه كل جماعة لست سنوات تحت إشراف رئيس المجلس، ويشمل مشاريع محلية مرتبطة بخدمات القرب و بالاختصاصات الذاتية للجماعة مثل الطرق الحضرية، الإنارة العمومية، النظافة، والمساحات الخضراء.
برنامج تنمية الجهة (PDR): يعدّه مجلس الجهة وفق القانون التنظيمي 111.14، ويركز على مشاريع كبرى مرتبطة بالاختصاصات الجهوية مثل النقل الجهوي، التعليم العالي، التكوين المهني، والابتكار.
وجود هذه البرامج يوضح أن المنتخبين ما زالوا يمسكون بأدواتهم القانونية، وأن وزارة الداخلية لم تسحب دورهم، بل تسعى إلى تكامل هذه المخططات مع البرامج المندمجة لتفادي التكرار وضمان الالتقائية.
الفرق بين البرنامجين
الاختلاف واضح: الـPDI برنامج استراتيجي مهيكل يشرف عليه الوالي أو العامل بشراكة واسعة، بينما الـPDA برنامج محلي يُعدّ من طرف المجالس المنتخبة. الأول يمول من مصادر متنوعة، والثاني يعتمد أساساً على ميزانية محلية. كما أن طبيعة المشاريع تختلف بين مشاريع كبرى ومهيكلة في PDI، ومشاريع اجتماعية وخدماتية في PDA.
التوجيه الملكي والمراسلة الوزارية
في خطاب العرش الأخير (29 يوليوز 2025)، شدد جلالة الملك محمد السادس على ضرورة إحداث نقلة حقيقية في التأهيل الشامل للمجالات الترابية، والانتقال من المقاربات التقليدية إلى مقاربة للتنمية المندمجة.
وعلى ضوء هذه التوجيهات، أصدر وزير الداخلية مراسلة إلى الولاة والعمال، دعاهم فيها إلى إعداد جيل جديد من البرامج التنموية المندمجة يركز على التشغيل، الخدمات الاجتماعية، التدبير المستدام للماء، والتأهيل الترابي. وهو ما يؤشر على رغبة في تعزيز الالتقائية والاندماج بين مختلف المخططات القطاعية والترابية.
هل سُحبت الاختصاصات من المنتخبين؟
هذا السؤال يطرح نفسه بقوة اليوم. غير أن الجواب، بحسب المتابعين، هو بالنفي. فالـPDA، وبرنامج عمل الجماعة، وبرنامج تنمية الجهة، كلها تظل موجودة بقوة القانون، ولا يمكن لأي جهة أن تلغيها. كما أن الـPDI ليس بديلاً عنها، بل مكمل يهدف إلى تجميع الموارد وضمان الالتقائية بين المشاريع الوطنية والترابية.
الجديد فقط هو مطالبة وزارة الداخلية بجعل البرامج أكثر محلية وتشاركية، مع تركيز أكبر على العالم القروي والمجالات الهشة، استعداداً لمشروع قانون المالية لسنة 2026 الذي سيؤطر تعبئة الموارد.
ما بين التفاني واستغلال المواقع
ما يميز عمل الولاة والعمال في تنزيل هذه البرامج هو التفاني في خدمة المصلحة العامة، باعتبارهم ممثلين للدولة ومسؤولين عن ضمان الالتقائية والفعالية في المشاريع. وفي المقابل، لا يخفي العديد من المتابعين أن بعض المنتخبين، عوض التركيز على أولويات الساكنة، يستغلون فترات انتدابهم لتمرير مشاريع تخدم مصالحهم الخاصة أو حساباتهم الانتخابية.
هذا التناقض يفسر لماذا تراهن الدولة على تعزيز البرامج المندمجة، التي تضبط إيقاع التنمية وتمنع تشتت الجهود، في أفق بناء نموذج تنموي أكثر عدلاً وشفافية، يستجيب فعلاً لانتظارات المواطنين.
المغرب اليوم يسير وفق مقاربة مزدوجة: برامج مهيكلة كبرى (PDI) تقودها وزارة الداخلية عبر الولاة والعمال بشراكة واسعة، وبرامج محلية (PDA، PAC، PDR) تُعدها المجالس المنتخبة في حدود اختصاصاتها. التوجه الجديد يعزز الاندماج والتكامل دون المساس بالاختصاصات القانونية للمنتخبين، ويترجم إرادة سياسية واضحة لجعل التنمية أكثر عدلاً وفعالية، قادرة على تلبية حاجيات المواطنين في كل مناطق المملكة، خصوصاً في القرى والمجالات الهشة.
[ad_2]
المغربي almaghribi – أخبار المغرب : المصدر


