[ad_1]
حين يخرج رئيس الحكومة عزيز أخنوش على شاشة التلفاز ليتحدث عن “فرح” المغاربة، تشعر للحظة أنك تعيش في نسخة حكومية من الإنستغرام: ابتسامات، ألوان زاهية، أجواء وردية، ومؤثرون يبيعون الأوهام بالابتسامة العريضة، لا مدارس متسربة، لا مستشفيات مكتظة، لا بطالة خانقة… فقط “كوكو البنات” و”نهار زوين نبارطاجيو السعادة”.
لكن الواقع شيء آخر، وزير الصحة نفسه، أمين التهراوي، وقف أمام البرلمان وقال بالأرقام: نصف المغاربة يعانون أو عانوا من اضطرابات نفسية. واحد من كل اثنين يعيش الاكتئاب أو القلق أو الفصام، طبيب نفسي واحد لكل 100 ألف نسمة، أسِرّة استشفائية أقل من نصف المعدل العالمي، ومع ذلك، يخرج رئيس الحكومة ليقول لنا: “المغاربة فرحانين… وسكان الحوز حتى هوما فرحانين”.
الحقيقة أنني تذكرت وأنا أتابع كلامه قصة قديمة، جعلتني أفهم جيدًا الفرق بين الابتسامة والسعادة.
قبل سنوات، زرت مدينة لم أكن أعرف أنها تحتضن مرضى نفسيين، قضيت فيها بضعة أيام، ولفت انتباهي أن كل من التقيت بهم في الشارع كانوا يبتسمون لي بشكل غريب. كنت أمشي وأرى الوجوه مشرقة، العيون تلمع، الابتسامات لا تنقطع. قلت في نفسي: “يا سلام! أي مدينة فاضلة هذه؟ هنا الناس فرحانين حقًا!”.
زاد فضولي أكثر، فقررت أن أفتح حديثًا مع أحدهم، ابتسمت في وجهه، وقلت كلمة صغيرة لأكسر الحاجز، لم تمض ثوان حتى وجدت نفسي أتلقى صفعة قوية على القفا، والرجل يختفي وسط الزحام.
استغربت من الموقف، وسألت عن الأمر، فقيل لي إن الشخص كان مريضًا نفسيًا، حياته تحطمت بسبب مشاكل مادية تسببت في مشاكل عائلية خانقة، زوجته هجرته، أطفاله ابتعدوا عنه، وغلاء المعيشة أكل أعصابه حتى فقد عقله، وان المدينة مليئة بأشباهه، حيث في كل مرة تحط حافلة جديدة وينزل منها معشر المبتسمون، لحظتها، انقشع الغبار عن عيني، وفهمت أن تلك الابتسامات التي أغرتني لم تكن دليل سعادة، بل قناعًا هشًا يخفي جراحًا عميقة، وهروبًا من واقع لا يُحتمل.
وأنا أتابع أخنوش وهو يوزع “الفرح” بالمجان على المغاربة، تذكرت ذلك الرجل. ابتسمت بدوري، وقلت في نفسي: “يبدو أن رئيس الحكومة لم يتلق الصفعة بعد… الصفعة التي ستسقط نظاراته الوردية، ليبصر الواقع كما يراه الجميع”، وهنا لا أقصد الصفعة الميكانيكية عبر حركة اليد، بل الصفعة السياسية التي ستظهر له الأمور بحجمها، وستعرفه بشعبيته بعيدا عن مؤسسات التواصل و التأثير في الرأي العام.
الواقع بسيط: المغاربة لا يبتسمون لأنهم فرحانين، بل لأن لا خيار أمامهم إلا السخرية من قهرهم، أمام حكومة تراهم سعداء في ظل التضخم والغلاء والبطالة، نصف الشعب يعيش أمراضًا نفسية، النصف الآخر غارق في مواجهة الغلاء، والكل يترقب وعودًا حكومية تتبخر كل يوم.
لكن أخنوش لا يرى هذا، هو يعيش في عالم موازي، عالم يشبه قصص الإنستغرام. هناك حيث المؤثرون يطلّون علينا ليقولوا: “اليوم نهار زوين… نبارطاجيو البوزيتيفيتي…”، بينما خلف الشاشة الواقع أسود، مليء بالديون والبطالة والهموم.
الفرق الوحيد أن المؤثرين على الأقل لا يملكون سلطة، بينما أخنوش يملك ميزانية دولة، وقرارًا سياسيًا، وحكومة كاملة، تتكون من وزراء يصرفون ميزانيات ضخمة، ومع ذلك، اختار أن يكون مجرد “مؤثر”، يبيع الوهم ويقول للمغاربة إنهم سعداء.
السؤال البسيط الذي لم يطرحه أحد على رئيس الحكومة هو: إذا كان الشعب فرحانًا كما ترى، فلماذا امتلأت العيادات النفسية عن آخرها؟ لماذا صارت أدوية الاكتئاب من بين الأكثر طلبًا؟ لماذا ارتفعت نسب الانتحار في مدن وقرى الهامش؟ ولماذا يختار آلاف الشباب ركوب قوارب الموت هربًا من واقع لا يتحمله؟ ولماذا خرجت ساكنة القرى للتظاهر مطالبة بحقوقها الأساسية؟ ولماذا انتشرت ظاهرة التسول في الشوارع والأسواق؟ ولماذا ارتفع الدين الشخصي لدى المغاربة وأصبح أكثر من مجرد عبء؟ ولماذا تضطر الأسر إلى تقليص مصاريف التعليم والصحة والبقالة؟ أليست هذه كلها نتائج مباشرة لسياسات حكومية عاجزة عن توفير العيش الكريم، وتقصر في معالجة الأزمات المعيشية التي تثقل كاهل المواطنين؟
لكن لا تنتظروا الجواب، أخنوش مرّ من هنا وتركنا مع أسئلتنا معلقة، المهم أنه عزز في ذهنه القناعة بأننا “بخير وعلى خير”.
الحقيقة أن المغرب اليوم لا يحتاج إلى رئيس حكومة “إنستغرام”، بل إلى رئيس حكومة يرى ما يراه الناس، ويسمع ما يسمعه الناس، ويتلقى الصفعة بدلًا منهم… حتى يسقط عنه القناع الوردي، ويعرف أن السعادة لا تُفرض بخطاب، بل تُبنى بالمدرسة، بالمستشفى، وبالكرامة.
أما الابتسامة التي يراها أخنوش في وجوه المغاربة، فليست إلا ابتسامة الرجل المريض الذي فقد كل شيء… ابتسامة هروب، لا ابتسامة فرح.
[ad_2]
المغربي almaghribi – أخبار المغرب : المصدر

