تجربة المحاكمة عن بعد.. مسطرة التقاضي تشهد بفعل الأزمة الصحية تسريع تحولها الرقمي


في 27 أبريل 2020، وفي خضم الأزمة الصحية المترتبة عن جائحة “كوفيد-19″، انعقدت بمحاكم المملكة أولى الجلسات الرسمية للمحاكمة عن بعد، إيذانا بتحول نوعي في تفعيل عدالة ناجعة تستجيب للإكراهات الطارئة وتواكب التطور بغية البت في القضايا المدرجة ضمن أجل معقول، بما يضمن تحقيق شروط المحاكمة العادلة بشكل آمن.

ﺑرحاب اﻟﻤﺤﻜﻤﺔ اﻻﺑﺘﺪاﺋﻴﺔ ﺑﺴﻼ، وﺑﺤﻀﻮر كل من اﻟﺮﺋﻴﺲ اﻟﻤﻨﺘﺪب ﻟﻠﻤﺠﻠﺲ اﻷﻋﻠﻰ ﻟﻠﺴﻠﻄﺔ اﻟﻘﻀﺎﺋﻴﺔ ووزﻳﺮ اﻟﻌﺪل ورﺋﻴﺲ اﻟﻨﻴﺎﺑﺔ اﻟﻌﺎﻣﺔ ورﺋﻴﺲ ﺟﻤﻌﻴﺔ ﻫﻴﺌﺔ اﻟﻤﺤﺎﻣﻴﻦ ﺑﺎﻟﻤﻐﺮب، تم إعطاء الانطلاقة الرسمية، يوم اﻻﺛﻨﻴﻦ 27 أﺑﺮﻳﻞ 2020 لأولى جلسات المحاكمة عن بعد.

إذ وﺑﻨﺎء ﻋﻠﻰ اﻟﻘﺮار اﻟﻤﺸﺘﺮك ﻟﻠﻤﺠﻠﺲ اﻷﻋﻠﻰ ﻟﻠﺴﻠﻄﺔ اﻟﻘﻀﺎﺋﻴﺔ ووزارة اﻟﻌﺪل ورﺋﺎﺳﺔ اﻟﻨﻴﺎﺑﺔ اﻟﻌﺎﻣﺔ اﻟﻘﺎﺿﻲ ﺑﻤﻨﻊ إﺣﻀﺎر اﻟﻤﻌﺘﻘﻠﻴﻦ إﻟﻰ اﻟﻤﺤﺎﻛﻢ، ونظرا لكون اﻟﺒﺖ ﻓﻲ اﻟﻘﻀﺎﻳﺎ اﻟﻤﻌﺮوﺿﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﻤﺤﺎﻛﻢ داﺧﻞ آﺟﺎل ﻣﻌﻘﻮﻟﺔ ﻳﻌﺪ ﺷﺮﻃﺎ أﺳﺎﺳﻴﺎ ﻣﻦ ﺷﺮوط اﻟﻤﺤﺎﻛﻤﺔ اﻟﻌﺎدﻟﺔ، ﺷﺮع اﻟﻤﺠﻠﺲ الأعلى للسلطة القضائية، ﺑﺘﻨﺴﻴﻖ ﻣﻊ ﻛﻞ اﻟﺸﺮﻛﺎء، ﻓﻲ ﺗﻄﺒﻴﻖ وأﺟﺮأة ﺟﻠﺴﺎت اﻟﻤﺤﺎﻛﻤﺔ ﻋﻦ ﺑﻌﺪ، ﻓﻲ إﻃﺎر اﻟﺘﺪاﺑﻴﺮ اﻻﺣﺘﺮازﻳﺔ، وﻟﺘﻌﺰﻳﺰ اﻷﻣﻦ اﻟﺼﺤﻲ ﻟﻠﺴﺠﻨﺎء وﻟﻜﻞ ﻣﻜﻮﻧﺎت أﺳﺮة اﻟﻌﺪاﻟﺔ واﻟﻤﺮﺗﻔﻘﻴﻦ.

المبدأ، ورغم كونه بسيطا في جوهره، غير أنه شكل سابقة في مسار منظومة العدالة بالمغرب، فتفعيل اعتماد التقاضي عن بعد جاء، بالأساس، في سياق تفعيل التدابير الاحترازية، وتعزيزا للأمن الصحي لنزلاء المؤسسات السجنية وكافة مكونات أسرة العدالة، جراء تفشي جائحة “كوفيد-19”.

كما اندرج هذا المشروع في إطار إرساء مقومات المحكمة الرقمية، ليسهم بذلك في تعزيز البنية التحتية التكنولوجية للإدارة القضائية، وتوفير الأنظمة المعلوماتية الآمنة والبرامج المتعلقة بإدارة القضايا والمساطر لتأهيل آجال التنفيذ.

تتم ﻋﻤﻠﻴﺔ اﻟﻤﺤﺎﻛﻤﺔ ﻋﻦ ﺑﻌﺪ، كما توضح ذلك وثيقة للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، ﻋﺒﺮ ﺗﺨﺼﻴﺺ ﻗﺎﻋﺎت داﺧﻞ اﻟﻤﺆﺳﺴﺎت السجنية ورﺑﻄﻬﺎ ﺑﻘﺎﻋﺎت اﻟﺠﻠﺴﺎت ﺑﺎﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﺑﻮاﺳﻄﺔ وﺳﺎﺋﻞ اﻻﺗﺼﺎل اﻟﺤﺪﻳﺜﺔ، حيث ﺗﻘﻮم اﻟﻬﻴﺌﺔ اﻟﻘﻀﺎﺋﻴﺔ ﺑﺎﻻﺳﺘﻤﺎع وﻣﺤﺎﻛﻤﺔ اﻟﻤﻌﺘﻘﻞ الموجود داﺧﻞ اﻟﻤﺆﺳﺴﺔ اﻟﺴﺠﻨﻴﺔ ﺑﻌﺪ موافقته وبحضور دفاعه.

وعلى مستوى محكمة النقض، عرفت أول جلسة للمحاكمة عن بعد، والتي أﺷﺮف اﻟﺮﺋﻴﺲ اﻷول ﻟﻤﺤﻜﻤﺔ اﻟﻨﻘﺾ ﻋﻠﻰ ﻋﻘﺪها ﻋﺒﺮ ﺗﻘﻨﻴﺔ (Visioconférence) في 6 ماي 2020، إدراج ﻋﺪد ﻣﻦ اﻟﻘﻀﺎﻳﺎ همت ﻣﺴﻄﺮة ﺗﺴﻠﻴﻢ ﻣﺠﺮﻣﻴﻦ أﺟﺎﻧﺐ ﻳﻨﺘﻤﻮن إﻟﻰ ﺟﻨﺴﻴﺎت ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ، واﻟﺬﻳﻦ ﺗﻤﺖ ﻣﺤﺎﻛﻤﺘﻬﻢ ﻋﻦ ﺑﻌﺪ، ﺑﻌﺪ ﻣﻮاﻓﻘﺘﻬﻢ ﻋﻠﻰ ﻫﺬا اﻹﺟﺮاء، وﺑﺤﻀﻮر اﻟﺘﺮاﺟﻤﺔ وﻫﻴﺌﺔ اﻟﺪﻓﺎع ﺗﻜﺮﻳﺴﺎ ﻟﻜﻞ ﺷﺮوط المحاكمة العادلة.

ما بين 27 أبريل المنصرم و18 دجنبر الجاري، انعقدت بمختلف محاكم المملكة، عن بعد، 11 ألفا و846 قضية، كما تم إدراج، خلال الفترة ذاتها، 218 ألف و839 قضية، وذلك وفق وثيقة المجلس الأعلى للسلطة القضائية بشأن حصيلة تفعيل المحاكمات عن بعد، يشير فيها إلى أن آلاف المعتقلين استفادوا من هذه العملية، وﻗﺎﻳﺔ وﺣﻤﺎﻳﺔ ﻟﻬﻢ ﻣﻦ اﻟﻤﺨﺎﻃﺮ اﻟﺼﺤﻴﺔ اﻟﻤﺤﺘﻤﻠﺔ اﻟﻨﺎﺟﻤﺔ ﻋﻦ ﻋﻤﻠﻴﺔ ﻧﻘﻠﻬﻢ إﻟﻰ ﻣﻘﺮات اﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ اﻟﻈﺮﻓﻴﺔ اﻻﺳﺘﺜﻨﺎﺋﻴﺔ.

واعتبر المجلس الأعلى أن هذه الأرﻗﺎم والمؤشرات ﺗﻌﺒر، ﺑﻜﻞ ﺗﺄﻛﻴﺪ، ﻋﻦ ﺣﺠﻢ اﻟﺠﻬﻮد اﻟﻤﺒﺬوﻟﺔ اﻟﻤﺘﻮاﺻﻠﺔ ﻣﻦ ﻃﺮف ﻛﻞ اﻟﺴﻠﻄﺎت واﻟﻤﺆﺳﺴﺎت واﻟﻤﻬﻨﻴﻴﻦ، ﻣﻦ أﺟﻞ ﺗﻜﺮﻳﺲ أﻓﻀﻞ اﻟﻤﻤﺎرﺳﺎت واﻟﺮﻓﻊ ﻣﻦ دﻳﻨﺎﻣﻴﺔ ﻫﺬا اﻟﻤﺸﺮوع اﻟﻬﺎم وﺗﺠﻮﻳﺪﻩ ﻋﻠﻰ ﻣﺨﺘﻠﻒ اﻟﻤﺴﺘﻮﻳﺎت.

وتؤكد وثيقة اﻟﻤﺠﻠﺲ اﻷﻋﻠﻰ ﻟﻠﺴﻠﻄﺔ اﻟﻘﻀﺎﺋﻴﺔ على أن حصيلة عملية اﻟﻤﺤﺎﮐﻤﺎت ﻋﻦ ﺑﻌﺪ تعد ﻣﺸﺮفة، وتتم وﻓﻖ ﺷﺮوط اﻟﻤﺤﺎﮐمة اﻟﻌﺎدلة، مشددة على حرص المجلس ﻋﻠﻰ اﻟﺘﻔﻌﻴﻞ اﻟﺴﻠﻴﻢ ﻟﻌﻤﻠﻴﺔ اﻟﻤﺤﺎﻛﻤﺎت ﻋﻦ ﺑﻌﺪ، ﻣﻦ ﺧﻼل اﻟﻤﺘﺎﺑﻌﺔ اﻟﻴﻮﻣﻴﺔ واﻟﻤﻮاﻛﺒﺔ اﻟﺪﻗﻴﻘﺔ ﻟﻜﻞ ﺗﻔﺎﺻﻴﻠﻬﺎ وﺟﺰﺋﻴﺎﺗﻬﺎ اﻟﺘﻨﻈﻴﻤﻴﺔ واﻟﺘﻘﻨﻴﺔ واﻟﺒﺸﺮﻳﺔ اﻟﻼزﻣﺔ ﺑﻤﺨﺘﻠﻒ ﻣﺤﺎﻛﻢ اﻟﻤﻤﻠﻜﺔ، ﻣﻦ ﺧﻼل ﺗﻌﺒﺌﺔ ﻛﻞ اﻟﺠﻬﻮد واﻟﻤﻮارد اﻟﻤﺘﺎﺣﺔ من جهة، ورﺻﺪ وﺗﺠﺎوز ﻛﻞ اﻟﺼﻌﻮﺑﺎت واﻟﻌﻘﺒﺎت وﺗﺠﻮﻳﺪ آﻟﻴﺎت اﻟﺘﻨﻈﻴﻢ واﻟﺘﺪﺑﻴﺮ من جهة ثانية، بهدف ﺻﻮن وضمان القيم الأساسية ﻟﻠﻤﺤﺎﻛﻤﺔ اﻟﻌﺎدﻟﺔ، وﺣﻔﻈﺎ للصحة واﻟﺴﻼﻣﺔ ﻟﻠﺠﻤﻴﻊ.

هذا الزخم الذي تحقق في سياق تطوير مسلسل التقاضي وتسريع آجال البت في القضايا المعروضة بمختلف محاكم المملكة، يشكل في الواقع تتويجا لمسار غني من أجل تفعيل مطلب ملح.

إذ وإلى عهد قريب، وبالضبط في يونيو 2018، كان رئيس النيابة العامة، الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، السيد محمد عبد النباوي، قد أكد في تقرير حول السياسة الجنائية، خلال لقاء تواصلي، أن تسريع وتيرة تجهيز الملفات وتوفير الإطار القانوني لإجراء المحاكمة عن بعد بوسائل الاتصال السمعي البصري، وحل إشكاليات نقل المعتقلين إلى المحاكم، من بين إجراءات أخرى، ضمن المستوى التشريعي، تشكل ضرورة ملحة لتحسين العمل القضائي والتفعيل الأمثل لتنفيذ السياسة الجنائية.

كما أن ﻣﺤﻜﻤﺔ اﻟﻨﻘﺾ كانت ﻗﺪ وﺿﻌﺖ ورش اﻟﺘﺤﺪﻳﺚ، وﻣﻨﺬ ﺳﻨﺔ 2013، ﺿﻤﻦ أوﻟﻮﻳﺎت ﻣﺨﻄﻄﻬﺎ اﻻﺳﺘﺮاﺗﻴﺠﻲ، الرامي إلى ﺗﻔﻌﻴﻞ ﺣﻘﻴﻘﻲ ﻵﻟﻴﺎت اﻟﺠﻮدة واﻟﻨﺠﺎﻋﺔ واﻟﺸﻔﺎﻓﻴﺔ وﺗﻄﻮﻳﺮ اﻟﻌﻤﻞ اﻟﻘﻀﺎﺋﻲ ﺑﻤﺎ يتلاءم ﻣﻊ ﻣﺘﻄﻠﺒﺎت اﻟﻌﺼﺮ وﻳﺴﺘﺠﻴﺐ ﻻﻧﺘﻈﺎرات اﻟﻤﺮﺗﻔﻘﻴﻦ.

إن التقاضي عن بعد يشكل، بذلك، محطة أولى في المخطط التوجيهي للتحول الرقمي لمنظومة العدالة، كما أكد ذلك وزير العدل، محمد بنعبد القادر، في عرض قدمه أمام لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب في يونيو الماضي. هذا المخطط، سيمكن، وفق المسؤول الحكومي، من الانتقال بنموذج الإدارة القضائية والعدالة إلى نموذج يدمج تقنيات التواصل عن بعد والذكاء الاصطناعي في مختلف مراحل الخدمة القضائية، سواء تعلق الأمر بالمساطر من قبيل طلب السجل العدلي أو التجاري، أو ما يتعلق بالتقاضي أي المحاكمات، أو بالتواصل.

وبالنظر لطبيعة المعلومات التي يتم تداولها أثناء المحاكمة، سواء من حيث حساسيتها أو طبيعتها، فقد تم الاعتماد على نظام السمعي البصري الداخلي الخاص بوزارة العدل والمثبت على خوادمها المركزية الموجودة بمركز بيانات الوزارة، حيث تم إعطاء الأولوية والأهمية القصوى لجانب الأمن المعلومياتي، واحترام كافة التوجيهات الصادرة عن مديرية أمن نظم المعلومات بإدارة الدفاع الوطني لضمان حماية وأمن نظام السمعي البصري المستعمل.

ولمواكبة هذه العملية التي شكلت منعطفا جديدا في سياق التحديث الرقمي لمنظومة العدالة، خصصت وزارة العدل اعتمادا ماليا إجماليا قدره أربعة ملايين و705 آلاف و800 درهم لمواكبة عملية المحاكمة عن بعد، كما أكدت الوزارة ذلك في بلاغ لها مؤخرا، وذلك في إطار الاختصاصات الموكولة لها من أجل ضمان حسن سير العمل بمحاكم المملكة وتوفير شروط الولوج إلى العدالة، وتنفيذا لبنود مذكرة التفاهم الموقعة مع المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج. وتم استثمار هذا الاعتماد المالي لاقتناء وتثبيت جميع المستلزمات التقنية واللوجستيكية الكفيلة بضمان جودة هذه العملية.

وحسب الوزارة كذلك، فقد ساهمت هذه التجربة، التي مكنت المرفق القضائي من الاستمرار في تقديم خدماته لفائدة المتقاضين، في الإفراج عن 7297 معتقل إلى غاية يوم 18 دجنبر 2020، إما بسبب التصريح ببراءتهم أو تمتيعهم بالسراح المؤقت أو تخفيض العقوبة الحبسية الصادرة في حقهم.

لقد تأقلمت العديد من القطاعات، وعبر دول المعمور، مع الظروف المستجدة التي فرضتها أزمة “كوفيد-19” الصحية غير المسبوقة. ولم يكن قطاع العدالة ليشذ عن هذه القاعدة، إذ انخرط، وبشكل حثيث، في توفير كافة المقومات والتدابير التي تخول انعقاد جلسات المحاكم عن بعد، في احترام للتدابير الاحترازية والوقائية التي اتخذتها المملكة في كافة المجالات، وضمن آجال معقولة، ليتم بذلك تنزيل لبنة أخرى، ضمن مسلسل التحول الرقمي، أحد أوراش إصلاح منظومة العدالة.

كما أن هذا التحول الرقمي الذي شهدته منظومة العدل يستند، في جوهره، إلى المبادئ الدستورية، والتوجيهات الملكية، وتوصيات ميثاق إصلاح منظومة العدالة، التي تسعى إلى ضمان شروط المحاكمة العادلة في آجال قانونية معقولة، وتسريع مسطرة البت في القضايا الرائجة.



Source link

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق