حسن أوريد يكتب:الاستعمار الجديد .. كيف تكرّس أوروبا “الأبارتايد” على أراضيها؟


لا يكفي أن نسلط الضوء على أوجه التاريخ إن بقيت أشكال الاستغلال الاقتصادي مستمرة، والمركزية الثقافية مستشرية، والاستلاب قائماً، والوصاية السياسية جارية. جيد أن نميط اللثام عن كل أشكال الاستغلال والاحتقار التي طبعت الماضي الاستعماري.

بثت قناة تلفزية فرنسية في أكتوبر/تشرين الأول الحالي فيلماً وثائقياً عن الفترة الاستعمارية والأوجه المستترة عن الفترة الاستعمارية، بعنوان “ما بعد الاستعمار، دم ودموع”، من أجل كسر الصورة النمطية السائدة، وهي أن الاستعمار اضطلع بمهمة تمدينية للأهالي في إطار الإمبراطورية الفرنسية.

كانت فرنسا قد نظّمت تظاهرة عُرفت باسم الاستعراض العالمي في باريس سنة 1930 كانت تصادف الذكرى المئوية لاستعمار الجزائر من أجل إبراز “المهمة التمدينية” لفرنسا في أرجاء المعمورة. لكن الحقيقة شيء آخر. كان الواقع الاستعماري مليئاً بالاستغلال والظلم وإنكار الآخر الذي لا يوجد إلا في خانة فضفاضة هي الأهالي، والأحكام الجاهزة عليهم، والغطرسة في التعامل معهم.

يمكن طبعاً أن يُنظر إلى الاستعمار كموضوع تاريخي لفترة زمنية ويُسلَّط الضوء على جوانبه المتعددة، من أجل استجلاء الحقيقة بشأنه، ويمكن أن يُنظر إليه كحالة مستمرة، بأشكال مختلفة.

لا يكفي أن نسلط الضوء على أوجه التاريخ إن بقيت أشكال الاستغلال الاقتصادي مستمرة، والمركزية الثقافية مستشرية، والاستلاب قائماً، والوصاية السياسية جارية. جيد أن نميط اللثام عن كل أشكال الاستغلال والاحتقار التي طبعت الماضي الاستعماري، ولكن الأمر يظلّ بلا معنى إن وقفنا عند أشكال الاستغلال والاحتقار التي تطفح في الماضي والتزمنا الصمت عما يجري في الحاضر. ليس الاستعمار حقبة انتهت، بل حالة مستمرة تحمل تداعيات الفترة الاستعمارية.

من الناحية التاريخية، يجب على الباحث الموضوعي أن يقف على أوجه التجربة الاستعمارية غير تلك الصورة الزاهية من بناء مدن، وشق طرقات، واستصلاح الأراضي الزراعية، واستغلال الخيرات وإخراج الأهالي من حالة “الهمجية” إلى التمدن. اقترن الاستعمار بفعل لا يمكن التستر عنه هو إبادة الأهالي في أبشع الصور الممكنة، من قتل وتمثيل وتحريق وخنق باستعمال الدخان.

لم تكن الحروب الاستعمارية حروباً متكافئة، ولا كانت تخضع للحد الأدنى من الاعتبارات الإنسانية، ولا كان المستعمِر يراعي الوشائج الثقافية والإنسانية بين الأهالي في اقتطاعه للأرض ورسم الخرائط. كانت الأرض المستعمَرة مساحة جغرافية فقط، تُقطع أوصال ذويها، بغضّ النظر عن الوشائج التي تربطهم، فيجدون أنفسهم موزعين بين سلطات استعمارية مختلفة، في قواعد جغرافية مقتطعة بشكل اعتباطي، ستصبح أنوية لدول “مستقلة”. واستمر التقطيع من خلال فرض احترام الحدود التي سطّرها المستعمِر، مما أفضى ولا يزال إلى اهتزازات وحروب وتوترات.

خلال الفترة الاستعمارية جزّأ المستعمِر الأرض المستعمَرة بين الأوربيين ممن يحقّ لهم التمتع بالخيرات في مدن عصرية، والأهالي ممن كانت غاية وجودهم هي خدمة الأوربيين في ظروف لا إنسانية من أعمال السُّخرة، بلا مقابل، والموت في حروب لا ناقة للأهالي فيها لا جمل. وحين يطالب الجنود الأهالي برواتبهم، كما حدث لجيوش السنغاليين، بعد الحرب العالمية الأولى، يُجمعون في حظيرة، ويؤمرن بأن يصطفوا في الصباح الباكر، ويطلق عليهم النار. ذنبهم أنهم طالبوا بحقوقهم.

لم يكتف المستعمر باستغلال الأرض والإنسان، بل إفراغه من هويته، بمحق ذاكرته، وقولبته، ودفعه إلى القطع مع ماضيه ووجدانه.

ظل الاستعمار ضمن المسكوت عنه. كانت الدول المستعمِرة تعاني مما كان يسمىبالوعي الشقي، أو تبكيت الضمير، وكانت الدول المستقلة موزعة بين من كان يغلب عليه خطاب حماسي ضد الاستعمار وآلياته، وتعرضت لعقوبات شديدة مثل غينيا كوناكري حين رفض الرئيس سيكو توري عرض فرنسا لما كان يسمى بالاستقلال داخل الترابط، وبين تلك التي نهجت الواقعية وأبقت على بنيات الاستعمار وخياراته. لكن لم يكن أحد يجرؤ على تلميع الاستعمار أو تبريره، حتى سنة 2003 حين كانت فرنسا مُقْدِمة على تبني قانون يبرز الجوانب الإيجابية للاستعمار، لكن الحكومة الفرنسية اضطُرّت إلى سحب مشرع القانون.

كان يبدو كأن الاستعمار حقبة تاريخية انتهت مع موجة الاستقلالات، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وكانت الآيديولوجيا الاشتراكية تكسر، أو تسعى لأن تكسر التمايزات القائمة، من أجل آصرة إنسانية، سواء في الأحزاب اليسارية أو النقابات أو من خلال بعض الوجوه الفكرية، لكن مع سقوط الاتحاد السوفييتي واندحار الآيديولوجية الاشتراكية، برزت مخلفات الاستعمار من جديد، من خلال التمييز العنصري، ثم من خلال الإسلاموفبيا.

برز نوع من الاستعمار مستتر في البلدان الغربية يذكّر بالفترة الاستعمارية، من خلال تمايز في السكن والحصول على الخدمات والتعليم والشغل، بين الفئات الأصلية، وبين الفئات المهاجرة، أو من أصول غير أوروبية، في ما هو أبارتايد فعلي.

أصبحت حواضر الدول الأوربية صورة جديدة لواقع الاستعمار القديم، لعالم البيض، بأحيائهم ونظام عيشهم، وعالم الأهالي بأحيائه ونظام عيشه، دون أدنى إمكانية للتعايش، في ما تسميه الأدبيات الفرنسية بساكنة الضواحي.

والطريف أن الذهنية الاستعمارية انتقلت إلى كثير من الدول المستعمَرة سابقاً أو ما كان سمّاه المفكر الثالثي فرانز فانون في كتاب له بعنوان”بشرة سوداء، أقنعة بيضاء”. أضحى المستعمَرون القدامى يتصرفون بمنطق المستعمِر حيال مواطنيهم. تبنوا طرائق المستعمِر القديم، وحذقوا لغته، وأجروا تمايزات بينهم وبين مواطنيهم، في أحياء السكن، وطريقة العيش، واللغة والخيارات الاقتصادية والسياسية والثقافية. ولم تكُن الفئة الحاكمة لتستطيع أن تبسط نفوذها لولا تواطؤ المستعمِر القديم، من خلال حمايته لها، والتستر على المظالم المقترَفة وانتهاك حقوق الإنسان، وتقديمه الدعم مالياً وأمنياً.

لكن الاستعمار ظلّ تابوهاً، تتصرف القوى الاستعمارية باستخفاء، مع ظاهر احترام سيادة الدول المستعمَرة سابقاً، وتتعامل النخب الحاكمة كما لو أنها مالكة لأمرها. لكن هذه الصورة اهتزت في السنوات الأخيرة، إذ لم تعُد القوى الاستعمارية تتستر عما تعتبره مناطق نفوذها، ولا أضحت النخب الحاكمة في البلدان المستعمَرة سابقاً تتورع عن المطالبة بحماية مستعمِرها السابق.

قطعت البشرية أشواطاً عدة في شجب كل أسباب الزيغ، وفي الدعوة إلى احترام حقوق الإنسان، وضد الإبادة، لكن الاستعمار لم يرْقَ إلى الآن كي يكون موضوعاً للتجريم. ولأنه لم يُجرَّم، استمر في أشكال عدة، وبقيت تداعياته قائمة، من تمزق وحروب أهلية، ونزاعات حدودية، وأزمات ثقافية معقدة.

ينبغي الجهر بحقيقة الاستعمار. ليس الاستعمار حقبة زمنية تمُتُّ إلى الماضي، بل حالة مستمرة مسؤولة عن كثير من الاختلالات التي تعاني منها الدول والمجتمعات المستعمرَة سابقاً، والفئات التي هاجرت إلى البلدان الغربية وتتعرض للميز والإقصاء والإسلاموفبيا.



Source link

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق